.jpg)
هذا المقطع ـ قد يكون طويل نسبياً ـ انما هو مختار بعناية فائقة ، من روايـــة / ليلة الغلطة/ للروائي المجنون ، الطاهر بن جلون ، صاحب الرواية المفضلة عندي ـ قبل هذه ـ /تلك العتمة الباهرة/ التي أبهرتني بــ حق ... المقطع استوقفني بشدة ، ورأيت فيه الكثير، مما أثق بأن ذائقتكم السامية لــن تعجز عن تلمّس ما استوقفني طبعا
***
نحن نروي قصصا قد تكون غير قابلة للتصديق لكي نحاول أن نفهم جزءاً يسيراً من الاشياء ..
ـ حسنا ، اني ذاهب ،ابقوا متخلّفيـــــــــــن ، بسبب أناس مثلكم لا تتقدّم البلاد كما ينبغي لها أن تتقدم
ظل اسود جعل السماء تُظلم، وامتد بضع دقائق فوق المدينة، السماء منخفضة جدا، داهمت الميناء سحابة من ضباب مفاجئ، أشعلت متاجر شارع باستور أضواء واجهاتها، تباطأ المرور، .........انها ريح المنفى الزرقاء، هي ليست قادمة من الشرق كما هو معتاد، بل من الجنوب، انها زرقاء لأنها تعصف في جو صحو وتأتي من مكان بعيد جدا، تعبر البلد ، دافعة أثناء رحلتها الرجال الذين لديهم رغبة قوية جدا بمغادرة البلد ، ريح الجنوب مريعة تُلقي بالعُصاة في البحر، عندما تحلّ تعلن عن نفسها على شكل ظل يغطي المدينة، لاشيء يقف في وجهها ، هذا ما جعل طنجة تمتلئ بالناس المتسكعين بالشوارع، أناس وُعدوا برحلة كبيـــرة ، ووجدوا انفسهم بلا شيء، رؤوسهم مليئة بالرمال، أيديهم فارغة، وأرواحهم أشلاء ..
ميدو، ذو الساق الواحدة، يعطيك الوقت بدقة سويسرية
حمو،المحتال الذي يبيع مسحوقاً زهري اللون يزعم انه يُنمي القدرة الجنسية
غيتا، الاكثر تقدماً في العمر من أن تمارس الدعارة وتستأجر أطفالاً للتسوّل
الغول،الذي ترك الرياح الزرقاء تحمله الى أن ارتطم برافعة الميناء الكبيرة وفقد رشده منذ ذاك
عباس،مشوه، يظن انه وصل الى فرنسا
بيبي،نادل المقهى الذي يعرض جواز سفر بلجيكي مزوّر ولا يفهـــــــم لماذا يُرد طلبه
مديحة، التي تسكن مقبرة الكلاب
إنج ، التي باعت جواز سفرها ولم تعد قادرة على ترك المدينة
مشلوط ، الرسام الاهبل
مســــخوط ، الابن الملعون من أبويه والذي يحاول اجتياز المضيق سبـــــــاحة
المُكيّف ، أصفر العينين من شدة تدخين الكيف والذي يزعم انه يبيع دماغ ضبع في السوق الصغير ويعيش مع عنزة يستخدم فضلاتها لإعداد مستحضر سحري له آثار عديدة غير قابل للضبط
غانم ، الذي يربي القطط ويقول إن كل شيء سياسة، كل شيء مشبوه
ثم هناك كل اولئك الذين ألقت بهم الحياة ... الخ
***
في مكان آخر من الرواية جملة، ولّدت لدي عصرة في المعدة، تشبه تلك التي يعرفها أغلبكم ممن حضر امتحان مدرسي مخيف، لابد وانكم جربتم ذلك ولو مرة واحدة خلال الـ 16 سنة دراسة .... الجملة في رواية بن جلون، أيضا وتقول
إن "طنجة" لم تعد كما كانت، وإنه سوف يتوجب على المرء أن يُهاجر الى السويرة أو مراكش ليجد سعادته
****
بن جلون يُعالج هنا ، وكعادته محاوره الثلاث
جنون العلاقة بين الرجل والمرأة
الحب القلق للبلاد
الولع بالحرية
لأنه كــ مبدع ، يجد نفسه في مصائب العالم، ويتعرف على روحه في عذابات الأبرياء
ونحن قلقون
والبلد عندنا لم تعد كما كانت
لم تعد كما نريد
لم تعد كما نودها أن تكون
لم تعد، لنا
وكم من الغول ومديحة و المكيف و المسخوط وعباس وميدو وحمو ... صاروا عندنا بصلاحياتهم اللي/ تشق وتخيّط/ ؟
ولا أحد يقولي داشين بالطوفة بس
البلد ، وين رايحة ؟